نخبة من الأكاديميين

299

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

للشرق والغرب نتيجة تأخر العالم الإسلامي في مجال الأساليب الحربية الحديثة وفي مجال أساليب التجارة والاقتصاد الحديث ، ومن ناحية أخرى تطورت توازنات القوى الأوروبية على النحو الذي أدخل أسلوب الهجوم على مختلف أرجاء العالم الإسلامي إلى مرحلة جديدة ؛ وهي مرحلة الهجوم المباشر على القلب والتنافس الاستعماري التقليدي ( الاحتلال العسكري ) بعد أن ظل هذا الأسلوب قاصرًا طوال القرنين السابقين على اكتساب النفوذ التجاري والسياسي وعلى التنافس حول البحار والمحيطات والموانئ والقواعد الساحلية . ومع ذلك استمرت الدولة العثمانية باعتبارها أحد الأطراف المشاركة في أنماط متطورة من التفاعلات الدولية مع أطراف أوروبية وأطراف إسلامية ، وقد أضحى دور المتغير الأوروبي أكثر حسمًا وتأثيرًا في تشكيل مسار هذه التفاعلات ونتائجها . ولكن ظلت الإمبراطورية العثمانية بمقاييس القرن التاسع عشر م قوة كبرى تقوم بدور الممثل للكيان الجماعي للعالم الإسلامي أمام التصاعد الكبير في قوة الغرب وفي تهديده لهذا العالم . ويرجع هذا الاستمرار دون انهيار تام لمدة تقرب من قرن ونصف إلى عاملين أساسيين مترابطين ومتكاملين في تأثيرهما على ظهور هذه الأنماط من التفاعلات ونتائجها المشار إليها : العامل الأول - هو سياسات الإصلاح التي جرى عليها السلاطين العثمانيون ( منذ سليم الأول وحتى عبد الحميد الثاني ) في محاولة لعلاج أسباب الضعف والتدهور في عناصر القوة الذاتية ، وفي آليات إدارة العلاقة بين المركزية العثمانية وبين الولايات الأوروبية والعربية على حد سواء . العامل الآخر - طبيعة توازنات القوى الأوروبية التي فرضت في مجموعها الحفاظ على بقاء الدولة العثمانية وتكاملها حتى تتم من منظور القوى الأوروبية - الإجراءاتُ المناسبة لتقسيمها ، وفي الوقت المناسب ، دون تهديد للتوازنات الحساسة بين هذه القوى المتنافسة على الزعامة في أوروبا وعلى اقتسام العالم . بعبارة أخرى : أمام تصاعد وتزايد سرعة المخاطر التي أحدقت بالعثمانيين في قلب إمبراطوريتهم وفي الشرق العربي وفي الشرق الأوروبي ، اختلفت سبل المواجهة العثمانية مع الغرب في القرن التاسع عشر م عن نظائرها في القرون السابقة ، فلم يجد العثمانيون أمامهم إلا ما سمي بالإصلاح من ناحية ، وتوظيف التوازنات بين الدول الأوروبية واختلافها على توقيت وسبل اقتسام الإمبراطورية العثمانية من ناحية أخرى . وإذا كان النقل عن الغرب ( وخاصة في مجال التسليح ) قد دعم من عناصر القوة العثمانية في فترة التفوق والهيمنة ، فهذا النقل في إطار سياسات الإصلاح تم في ظروف مغايرة وترتبت عليه نتائج مختلفة في القرن التاسع عشر م . فإذا كانت الامتيازات العثمانية التي كانت تمنحها الدولة العثمانية للأوروبيين ظلت في القرن الثامن عشر م وسيلة التعبئة للمساندة الأوروبية بعد أن كانت في القرن 16 ، السابع عشر م وسيلة لتمزيق توحد الصف الأوروبي ضد العثمانيين ، فإن القرن التاسع عشر م شهد وجهًا آخر لهذا